بين النوستالجيا والربح... القطع والتحف القديمة تغزو السوشال ميديا: من يراقب المزادات في لبنان ويدوزنها؟ - تكنو بلس

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين النوستالجيا والربح... القطع والتحف القديمة تغزو السوشال ميديا: من يراقب المزادات في لبنان ويدوزنها؟ - تكنو بلس, اليوم الاثنين 12 مايو 2025 12:07 مساءً

"على أونو، على دويه، على تري"… وتنطلق جولة جديدة في عالم المزادات العلنية. دولار واحد يفتتح المنافسة، وأصوات تكسر الصمت بالمزايدة على السعر المعروض. الحماسة تشعل الأجواء، سواء في القاعات الفعلية أو عبر الشاشات على مواقع التواصل الاجتماعي. تبدأ الجولة بعرض القطعة، وتنتهي بعبارة: "ألف مبروك للسيد/ة فلانة".

 

قد لا يستهوينا جميعاً عالم التحف القديمة أو القطع النادرة. لكن المزادات العلنية على الإنترنت اجتذبت أعداداً متزايدة من اللبنانيين، سواء بدافع الفضول، أو كهواية لاقتناء ما هو قديم، أو حتى كمحاولة للترفيه.

 

بعد جائحة كورونا والانهيار الاقتصادي المتسارع في لبنان، بدأت ملامح سوق جديدة تتشكل بهدوء على منصات التواصل الاجتماعي. من صفحات خاصة على فايسبوك وواتساب إلى بث مباشرة على إنستغرام أو تيك توك، برزت المزادات العلنية وسيلة لبيع كل شيء تقريباً: من التحف والأنتيك إلى الأسلحة القديمة والسلع النادرة. وفي هذه المساحات الافتراضية، يُرفع الصوت على السعر، وتُسجّل الأسماء في خانة "من يزايد أكثر"، وتنتهي الجولة ببيع القطعة والانطلاق بأخرى.

 

هذه الظاهرة، التي بدأت وسيلة بديلة للبيع تحت وطأة الإقفال العام وانهيار المداخيل، سرعان ما تحوّلت إلى سوق موازية لا تخضع لأي سلطة رقابية واضحة، ولا تستند إلى مرجعية قانونية تنظم عملها.

 

في هذا التحقيق، نغوص في عالم المزادات العلنية الإلكترونية في لبنان، ونكشف كواليسه، محاولين فهم أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، من خلال شهادات ومشاهد ميدانية نطرح فيها أسئلة مفتوحة على كل الاحتمالات. 

 

 

 

"قطع تختزن تعب الأجداد وذكرياتهم"

يختصر حسين عباس، أحد أبرز هواة جمع المقتنيات التراثية في الجنوب اللبناني، علاقته بالتراث بجملة واحدة "انتمائي للأرض والوطن، ووفائي لقيمنا وعاداتنا، جعلاني أميل بطبيعتي إلى كل ما هو أصيل ومتجذّر في بيئتنا".  هذا الانتماء لم يكن يوماً نظرياً، بل انعكس شغفاً طويل الأمد بجمع الأدوات القديمة والقطع التراثية التي تُعبّر عن الذاكرة الجمعية لمجتمعه، بحيث أصبح بيته أشبه بمتحف يختصر الزمن الجميل بكل ما فيه. 

 

في حديثه، يُسلّط عباس الضوء على خصوصية البيئة اللبنانية، إذ تتكدّس عناصر التراث في تفاصيل الحياة اليومية. لا يُخفي أن جمع كل القطع والتحف القديمة كان بمثابة رحلة طويلة مليئة بالمغامرات والتحديات. وكما يقول "أحياناً كات يصعب اقتناء بعض القطع النادرة نتيجة تعلّق الناس بها ورفضهم التخلّي عنها".

 

يعرف عباس جيداً أن القيمة الحقيقية لأي قطعة تراثية لا تُقاس بثمنها، بل بما تحمله من تاريخ وذاكرة. يؤمن بأن "هذه القطع تختزن تعب الأجداد وذكرياتهم وابتكاراتهم عبر العصور. هي صلة وصل بين الماضي والحاضر". ولأنه يدرك قيمة كل قطعة، إضطر في إحدى المرات كما يروي "إلى بيع سيارتي لشراء عمود حجري قديم".

 

جانب من الفناء الخارجي لمنزل حسين عباس (النهار)

 

بيته، كما يصفه، كان بمثابة متحف مجاني مشرّع الأبواب لمحبي التراث، يشدد على أنني"لم أحتفظ بهذه الكنوز لنفسي فحسب، بل شاركتها مع من يقدّر قيمتها". لكن للأسف كل ما عملتُ له لسنين طوال أصبح اليوم جرحاً مفتوحاً بعد أن قصفت إسرائيل منزلي في عيترون وحولته الى ركام.

 

 

مجموعة ركام لما تبقى من منزل السيد حسين عباس.

مجموعة ركام لما تبقى من منزل السيد حسين عباس.

 

أكثر من 30 عاماً يحاول فيها عباس اقتناء كل ما يرمز إلى الماضي الجميل، ليجد نفسه اليوم أمام سراب إذ لم يبتق من منزله شيئاً. غصته كبيرة والخسارة المعنوية لا توازيها أي خسارة. 

 

وعن وقوعه في فخ التقليد والبضاعة المزيفة، يؤكد "أنا لست دخيلاً على هذا العالم، ومن النادر أن أقع في فخ المقتنيات المقلّدة. ببساطة يمكنني أن أتعرف عليها فوراً بحكم الخبرة". ومع ذلك يبدي حذره قائلاً إن "الطابع التجاري الذي يطغى أحياناً على مزادات التواصل الإجتماعي يُفقد القطع معناها، إذ قد تذهب الى من لا يعي قيمتها الحقيقية، فيضيع الهدف من اقتنائها، وتُنتزع من سياقها الثقافي والتاريخي".

 

المراسيم القانونية المتعلقة بالمزادات

وككل شيء في لبنان، "بيروح المنيح بعزا الوحيش"، فما يُنظَّم في العلن وتحت سقف القانون، لا يسري على الجميع. إذ إن بعض المنظمين يلتزمون التصريح والإبلاغ المسبق قبل إجراء أي مزاد علني، سواء كان حضورياً أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيما يفضّل آخرون التحايل على هذه الإجراءات لتفادي الضرائب وتحقيق أرباح أكبر، وهنا تكمن المعضلة الأساسية!

 

لم يكن السؤال عن هذا الموضوع سهلاً، احدى الوزارات لم تُجب على استفسارنا، وأخرى نفت مسؤوليتها بالكامل، مؤكدة أن المزادات العلنية لا تدخل ضمن نطاق صلاحياتها . ليبقى السؤال الأهم معلقاً: تحت سلطة من تقع هذه المزادات العلنية؟ ومن هي الجهة المعنية لمراقبتها والتأكد من قانونية ممارساتها؟

 

يوضح المحامي علي عباس في حديث إلى "النهار" أن "جميع المزادات العلنية، سواء أُجريت حضورياً أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تخضع لأحكام الفصل السابع من قانون الرسم على المزايدات، وتحديداً للمواد 57 و58 و59، والتي تنص على إخضاع كل عملية بيع تتم عبر المزايدة لرسم نسبي قدره 2.5 في المئة من قيمة المبيع".

 

 

b42e8a178c.jpg

 

ويشير إلى أن هذه المواد تلزم المنظّمين إبلاغ البلدية المعنية قبل أسبوع من موعد المزاد، مع تقديم تفاصيل دقيقة حول توقيته ومضمونه. كما تشدد على ضرورة التزام هذه الإجراءات تحت طائلة فرض غرامات مالية، تُحدد قيمتها بناءً على تقدير البلدية وحجم المبيعات المحققة.

 

ويخلص إلى أن أي مخالفة لتلك البنود تُعد انتهاكاً صريحاً للقانون، وتستوجب المساءلة القانونية والمالية.


 ولأن بين القانون والواقع مسافة شاسعة في كثير من الأحيان، نسأل المحامي عباس عن الإطار القانوني الذي يجب اتباعه لضمان قانونية المزادات وشفافيتها. فيوضح أن "الآلية السليمة تبدأ بإبلاغ البلدية التابعة للنطاق الجغرافي الذي يُجرى فيه المزاد، ودفع رسم بلدي نسبته 2.5 في المئة من قيمة المبيع. وفي حال التخلّف عن الدفع، يُضاعف الرسم ليصل إلى 5 في المئة".

 

2f52a8a897.jpg

 

 

ويشدد على أن هذه الآلية لا تقتصر على المزادات التي تُنظَّم حضورياً في القاعات فحسب، بل تشمل أيضاً تلك التي تُجرى عبر منصات التواصل الاجتماعي، من منطلق أن القانون لا يميّز بين وسيلة الإعلان بل يركّز على طبيعة العملية التجارية في ذاتها.

 

وعليه، يؤكد أن المزادات العلنية يجب أن تخضع لمرجعيتين أساسيتين: الأولى، البلدية المعنية التي تُفرض ضمن نطاقها الجغرافي رسوم المزايدة؛ والثانية، وزارة المال، كون العائدات الناتجة من هذه المزادات تُعدّ من ضمن الأرباح التي تخضع للضريبة.

 

 

خوف من النصب والاحتيال

غير أن ما يثير قلق عباس هو أن بعض هذه المزادات قد ينظَّم من خارج الأراضي اللبنانية، ما يفتح الباب واسعاً أمام عمليات النصب والاحتيال والغش، خصوصاً في ظل غياب أي سلطة رقابية محلية تتابع هذه الأنشطة. فغياب الخبراء المتخصصين لتقييم القطع المعروضة والتثبت من أصالتها يزيد من احتمال التزوير، ويجعل من هذه المزادات بيئة خصبة للتلاعب والغش.

 

ويشير إلى أن خطورة هذه الظاهرة تتفاقم مع غياب ثقافة التبليغ أو تقديم الشكاوى لدى المواطنين، خصوصاً في حال كانت القطعة المشتراة زهيدة الثمن. فكثيرون، بحسب تعبيره، "لا يرون جدوى من رفع دعوى بسبب خسارة 20 أو 30 دولاراً"، ما يشجّع البائعين على تكرار ممارساتهم الاحتيالية مع عدد أكبر من الزبائن، وبالتالي تحقيق أرباح تراكمية من دون أي مساءلة قانونية.

 

a3b8b28b22.jpg

 

 

القطعة كانت صغيرة الحجم

ما يشير إليه عباس ليس مجرّد احتمال نظري، بل واقع اختبره بالفعل عدد من المشاركين في مزادات علنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبين هؤلاء، يروي سامر حبيب تجربته مع أحد المزادات التي تتم عبر تطبيق "واتساب"، قائلاً "تفاجأت عند تسلمي للقطع التي اشتريتها، إذ إن ما وصلني كان مختلفاً تماماً عن الصورة المنشورة في مجموعة المزاد. القطع كانت صغيرة الحجم ولا تعطي قيمة".

 

ويضيف: "صحيح أن ثمنها لم يكن مرتفعاً، لكنني لا أتحدث هنا عن المال فقط، بل عن الصدقية والشفافية. لذا قررت الانسحاب من تلك المجموعة بعد أن لمست أكثر من مرة عدم الوضوح أو الصدقية في مواصفات القطع المعروضة، والاكتفاء بالمشاركة في مزادات أخرى تبدو أكثر التزاماً". 

 

تجربة سامر تعكس جانباً من الإخلال المتكرر بثقة المشاركين، في ظل غياب آليات واضحة للمساءلة أو الرقابة، ما يطرح علامات استفهام حول حماية المستهلك في هذا الفضاء الإلكتروني العشوائي. لم يفكر سامر في تقديم شكوى بشأن ما تعرض له. في رأيه، "الموضوع لا يستحق العناء، فهي مجرد قطع لم تكن كما توقعت، لكنني لم أتوقف عندها كثيراً". هذه النظرة لا تعكس موقفاً شخصياً فحسب، بل تكشف عن واقع أوسع يعاني منه كثير من اللبنانيين، إذ يغيب الإيمان بجدوى المساءلة القانونية. 

 

 

واجهة مشبوهة لتبييض الأموال

وفي ظل هشاشة منظومة المحاسبة وضعف ثقة المواطن بها، يتفادى كثيرون سلوك المسار القضائي أو رفع دعاوى، مقتنعين بأن "البلد محكوم بالوساطات، ونادراً ما يأخذ المظلوم حقه".

 

دفع الرسوم االضريبية المتوجبة على صاحب كل مزاد.

دفع الرسوم االضريبية المتوجبة على صاحب كل مزاد.

 

في المقابل، نعرف جيداً أن تطبيق القانون من شأنه "أن يوجع أصحابه" وأن التحايل للتهرب من دفع الضريبة لن يكون دائما ممكناً. ففي إحدى الدعاوى المرفوعة، اضطر السيد م. أن يدفع الرسوم الضربية التي تهرب منها من عام 2015 حتى عام 2019، والتي بلغت نحو 339 مليوناً وثلاثمئة ألف ليرة لبنانية. وجاء ذلك بقرار من المحكمة بعد أن تخلف عن دفع الرسوم لسنوات، ولكنه اكتشف أمره ليضطر الى دفع الرسوم المتوجبة عليه.

 

من جهته، يُحذّر المحامي علي عباس من أن بعض المواقع الإلكترونية التي تروج للسلع وتبيعها عبر الإنترنت، قد يكون واجهة لعمليات مشبوهة مثل تبييض الأموال. لذلك، يشدد على ضرورة أن يتحلى المواطنون باليقظة، وفي حال راودهم الشك حيال جهة معينة أو لاحظوا غموضاً في آلية العمل، لا بد من التقدم بشكوى إلى النيابة العامة المختصة. فالمحاسبة تبقى الوسيلة الأهم لحماية الأفراد من الوقوع ضحية النصب والاحتيال أو من التورط، من دون علمهم، في أنشطة غير قانونية. 

 

من أجواء مزاد مباشر في demode antiques - النهار

من أجواء مزاد مباشر في demode antiques - النهار

 

تجربة فريدة على أرض الواقع

 

يقول محمد عمرو ، منسّق مزاد Démodé Antiques إن الدافع الأساسي وراء دخولهم عالم المزادات المباشرة لم يكن فقط محرد شغف بالماضي والتاريخ، بل جاء أيضاً استجابةً مباشرة لطلب الناس واهتمامهم المتزايد بالأشياء القديمة، وحاجتهم لقطع تحمل طابعاً خاصاً وذاكرة فريدة. 

ويضيف "الشغف كان موجوداً لدينا، لكن إقبال الناس وحبهم لهذا العالم هو ما شجعنا فعلاً على أن نخوض هذه التجربة، ونحوّلها إلى مساحة حقيقية تجمع الذوق، والحكاية، والحنين في كل قطعة نعرضها. إن تفاعل المشاركين يُضفي على المزاد طابعاً خاصاً، حيث تلمس رغبة كل فرد في اقتناء القطعة التي ينوي شراءها، بكل ما تحمله اللحظة من مشاعر وحماس".

 

محمد عمرو منسّق المزاد في ديمودي - النهار

محمد عمرو منسّق المزاد في ديمودي - النهار

ويؤكد عمرو "نسعى جاهدين لتلبية شغف وأذواق الجميع، بمختلف إمكانياتهم، والحمد لله ثقة الناس بنا هي ما أبقانا مستمرين منذ ثماني سنوات حتى اليوم". ورغم التحديات وتنامي ظاهرة المزادات ودخول عدد من الجهات إلى هذا المجال، إلا أن عمرو يرى في الخبرة المتراكمة والثقة التي اكتسبها الفريق من الزبائن، ما يجعلهم علامة فارقة في عالم التحف والأنتيك.

 

لكل قطعة ثمنها... والشاطر بيعرف يختار

لكن كيف تحوّلت المزادات العلنية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ظاهرة واسعة الانتشار بين ليلة وضحاها، كأنها عدوى متنقلة؟

 

قبل أن يغوص حسين أشقر، صاحب مؤسسة "أنتيكا جبيل"، في تفاصيل هذه المهنة وتحولاتها، يوضح نقطة أساسية لـ"النهار"، قائلاً: "عندما بدأت العمل في هذا المجال قبل تسع سنوات، تقدّمت بطلب تصريح لمؤسستي "أنتيكا جبيل" لدى وزارة المال، وبموجبه حصلت على ترخيص للبيع، سواء داخل المحل أو عبر الإنترنت".

 

كان أشقر شغوفاً باقتناء التحف والقطع القديمة، لكن هذا الشغف تحوّل إلى مهنة يعمل فيها بحب وأمانة. بدأ رحلته بفتح متجر مخصص لهذه المقتنيات النادرة، قبل أن ينتقل إلى العالم الافتراضي، بحيث بات يعرض محتوياته على مواقع التواصل الاجتماعي، ما جعله يدخل هذا المجال من أوسع أبوابه.


وفي ما يتعلق بتسعير كل قطعة قبل عرضها، يؤكد حسين أشقر أن لكل قطعة قيمتها السوقية، بينما تتمتع القطع النادرة بخصوصية معينة وزبائن محددين. ومع ذلك، تبقى الكلمة الفصل للزبون، إذ يتم تحديد السعر النهائي من خلال المزايدات التي تجري عبر "الغروب" على واتساب، بحيث قد تُباع قطعة ما في مقابل 10 دولارات فقط، بينما قد يصل سعرها أحياناً إلى 300 أو حتى 400 دولار او أكثر.

 

قطع معروضة في مزاد أنتيكا جبيل (الصورة من صفحتهم على فايسبوك)

قطع معروضة في مزاد أنتيكا جبيل (الصورة من صفحتهم على فايسبوك)

 

"لا يوجد سعر ثابت في المزادات"، يقول أشقر، موضحاً أن لكل قطعة جمهورها الخاص، وما يحدث هو أشبه بلعبة الشغف بين العرض والطلب، إذ تتحكم الرغبة في اقتناء القطعة بارتفاع سعرها أو انخفاضه.

قصة هاوٍ يبحث عن الذكريات

من البائع إلى المستهلك، كل شيء له بداية، ولكل شخص قصته. في زمن تتسارع فيه التفاصيل وتُستبدل فيه الذكريات بالتطبيقات، اختار جان أن يُقاوم النسيان بطريقة مختلفة: بالبحث عن أشياء تُشبه الزمن الجميل. بين المزادات العلنية، سواء عبر الإنترنت أو في المحلات المتخصصة ببيع "الأنتيك". يتنقّل بعين خبيرة وقلبٍ مفعم بالحنين، "لايبحث فقط عن قطعة نادرة ، بل عن قصة… عن عبق زمنٍ لا يُشترى" كما يقول.

 

كل تحفة يقتنيها تحمل في نظره قيمة تتجاوز المادة؛ إنها كنز صغير يُخبئ في ملامحه أثراً من التاريخ، رائحة من بيتٍ قديم، أو ملمسًا يُشبه دفء الجدة. في رأيه "لا أنظر إلى المزادات على أنها مجرد ربح تجاري، بل محطات شغف. كل قطعة تصل إليّ، تصل لأن في داخلي صوت يقول هذه هي ".

 

وهكذا، يأمل أن يحول منزله إلى عالمه الصغير، ويؤكد "انها أشبه بنافذة إلى الماضي. هل هناك أجمل من اقتناء راديو قديم أو مرآة خشبية قديمة أو تحفة نادرة أو قطع سلاح قديمة أو آلة خياطة؟... قد لا أنتهي من العدّ لكن من يهوى هذه الأمور يعرف جيداً أنها رحلة شغف لا تنتهي".

 

ولأنه يعرف قيمة كل قطعة، يعترف بأنه أحياناً "يتقصد إهداء بعض التحف والقطع الجميلة إلى الأصدقاء كذكرى جميلة تبقى موجودة في منزلهم". ويختم قائلاً: "أنا لا أجمع القطع بل احتفظ بالزمن، أشعر أنني أتمسك بذاكرة الزمن الجميل بهذه الطريقة".

 

- مجموعة من القطع والتحف في أنتيكا جبيل فايسبوك

- مجموعة من القطع والتحف في أنتيكا جبيل فايسبوك

 

لكل تاجر  وجهته في االسفر والشراء
"في زوايا الأسواق القديمة تُخصص الدول الأوروبية وبينها فرنسا وألمانيا أياماً معينة لبيع القطع على اختلافها وعرض ممتلكات خاصة من بيوت قديمة. تُعرض القطع بأسعار زهيدة كأنها بلا ذاكرة، يبدأ التجار اللبنانيون رحلتهم؛ يبحثون بعين خبيرة عن الكنوز المنسية ليعيدوا إليها الحياة ويستفيدوا من أرباحها على حد سواء. 

يشبّه حسين أشقر المزادات العلنية بمنافسة شيّقة لاقتناء أشياء نادرة وجميلة، مؤكداً أن التاجر الذي يشتري كميات كبيرة ويعرضها في المزاد لا يمكن أن يخسر، حتى لو بيع بعض القطع بأسعار زهيدة. وفي حال لاحظ أن الإقبال ضعيف، يقوم بوقف المزاد وتأجيله إلى موعد آخر لضمان حصول كل قطعة على حقها بالحدّ الأدنى.

 

يخوض أشقر تجربة المزادات العلنية التي تُجرى في الدول الأوروبية، ولكل تاجر وجهته الخاصة، يقول: "نقوم بشراء القطع الأثرية، سواء من خلال شراء متجر بكل محتوياته أو اقتناء قطعة نادرة من شخص يرغب في بيعها، أو الذهاب إلى أسواق خاصة لبيع القطع وثم نشحنها إلى لبنان. وبما أن الناس يستهويها اقتناء التحف والديكورات الفريدة لتزيين منازلها، التي تعتبر الأكثر طلباً اليوم، نسعى إلى تلبية حاجاتهم  عبر انتقاء قطع مميزة وجميلة وبيع كل منها على حدة".

 

- قطعة سلاح قديم في أنتيكا جبيل فايسبوك.

- قطعة سلاح قديم في أنتيكا جبيل فايسبوك.

 

يُفضّل التجار عادةً بيع كل قطعة بشكل إفرادي حتى لو اشتروها ضمن مجموعة، مما يسمح لهم بتحقيق هامش ربح جيد. لكن مع الفوضى التي يشهدها هذا القطاع اليوم، يبرز السؤال الأهم: من يراقب هذه المزادات ويضمن صدقيتها؟

 

ولا يُخفي قلقه من هذه الفوضى، إذ أصبحت المزادات العلنية "مهنة من لا مهنة له"، ما أدى إلى انتشار بيع قطع غير أصلية أو خلط التحف الأثرية الأصلية ("أنتيك") مع القطع الحرفية الحديثة ("أرتيزانا")، الأمر الذي يؤثر على جودة السوق وثقة الزبائن. 

 

تجربة تاجر آخر يهوى العالم القديم

منذ 4 سنوات، قرر مرشد سركيس صاحب محل "Antiques des Rêves" أن يدخل العالم الإفتراضي ويخوض تجربة المزادات العلنية على مواقع التواصل الاجتماعي. وبعد أن كان يُدير مزادات مباشرة على الأرض لبيع القطع والتحف القديمة، قرر أن يخوض غمار "الأونلاين"، بعد أن فرضت جائحة #كورونا حظر التنقل وقيوداً صارمة. وهكذا كان، بدأ بعرض قطع قديمة وتحف فنية وكل ما يتعلق برائحة الماضي الجميل على "واتساب" ضمن مجموعات مختلفة، تُشارك في هذه المزادات العلنية. 

 

قطعة من مزاد Antiques des Rêves

قطعة من مزاد Antiques des Rêves

 

في حديث الى "النهار"، يوضح سركيس أنه "يسافر إلى بعض الدول الأوروبية ومنها فرنسا وألمانيا وهولندا لشراء القطع والتحف القديمة، ومن ثم يشحنها إلى لبنان حيث تستغرق كل شحنة قرابة 5 أشهر . وبما أن "الأنتيك" عالم كبير في ذاته، يكون لكل قطعة سعرها ومميزاتها وزبونها، وهذا ما يجعل السوق لعبة عرض وطلب".

 

ولأن الترند يجرف معه العارف وغير العارف بالمصلحة، باتت المزادات العلنية على مواقع التواصل الاجتماعي تنتشر كالفطر، وبين ليلة وضحاها وجدنا أنفسنا نغرق في موجة إعلانات ومجموعات بأسماء مختلفة تدعوك الى المشاركة بهذه الجلسات التنافسية. 

 

في رأي سركيس أن "80 في المئة دخلوا هذه المصحلة وهم لا يملكون أي خبرة فيها، فيما تعمل البقية التي لا تتعدى نسبتها 20  في المئة بطريقة حرفية وبمعرفة مسبقة بالعمل. وبما أن الرقابة غائبة، لم يعد مستغرباً انتشار هذه الظاهرة في لبنان، خصوصاً في السنوات الأخيرة". 

معروضات من مزاد Antiques des Rêves

معروضات من مزاد Antiques des Rêves

 

يبدأ المزاد بعرض أي قطعة بدولار فقط لا غير، لنكون كل أربعاء على موعد مع انطلاق شرارة المزايدة المفتوحة. ويؤكد سركيس أن "كل قطعة لها سعرها، أحياناً تُباع أقل من قيمتها الحقيقية وأحياناً أخرى قد تصل القطعة الواحدة حسب قيمتها إلى 3000 أو 4000 دولار أميركي. لكل سوق أو منطقة زبائنها، ولكل منطقة شغفها أو ما يستهويها من قطع وتحف قديمة، لذلك، كما يقول،"شطارة التاجر بالشراية يلي بتخلي الزبون يحب القطعة ويشتريها".

 

وما لمسه سركيس حسب سفراته وخبرته في هذا المجال، أنهم في الخارج  يميلون إلى شراء قطع كانت ملك مشاهير، في حين يميل اللبنانيون إلى شراء قطع من مجموعات مثل الكاميرات القديمة أو الساعات أو لوحات وتحف تعكس جمال العصر القديم. 

 

عالم المزادات في لبنان لا يزال يتحرك بين الشغف والفوضى؛ سوق مفتوحة لكل "ما هبّ ودبّ"، بلا رقابة دائمة أو إطار قانوني واضح. وبين من يهوى هذه المهنة ومن دخل إليها عنوةً، بدافع الربح والفضول، تضيع الحدود أحياناً بين الهواة والتجّار، وبين الكنز الحقيقي والسلعة العابرة. وما بين مطرقة البيع وتجارب المشاركين المتنافسين، يبقى السؤال: من يراقب هذه السوق؟ وهل الكل يصرح عن عمله أم أن الفوضى سيدة هذه المهنة التي تحولت إلى "تراند" جنوني؟

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق